محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
162
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وليكن من دعاء صاحب هذا المقام ومناجاته ليوافق عقده قوله في جميع تصرفاته : اللهم إنّي أصبحت لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . ولا أستطيع أن آخذ إلّا ما أعطيتني ، ولا اتّقي إلّا ما وقيتني ، اللهم وفقني لما تحبه وترضاه ، من القول والعمل في طاعتك ، إنك ذو الفضل العظيم . وليقل أيضا ما رأيته لسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : اللهم إن الأمر عندك وهو محجوب عنّي ولا أعلم أمرا اختاره لنفسي ، فكنت أنت المختار لي ، واحملني في أجمل الأمور عندك وأحمدها عاقبة في الدين والدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير . إنما يستوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن اللّه في كل شيء ، فلو شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء . العباد الزهاد في حجبهم عن ربهم ينظرون لنفوسهم ومراعاة حظوظهم ، فهم يفرّون من الأشياء ويستوحشون منها ، لأنها موجودة في نظرهم ، والزهد في المزهود شاهد له بالوجود ، كما قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : واللّه لقد عظمّتها إذ زهدت فيها ، فهم يخافون منها أن تعوق عليهم أغراضهم وتفوتهم عن مقاصدهم بميلهم إليها وافتتانهم بها ، ولو كانوا من أهل العلم باللّه والمحبة للّه لرأوه ظاهرا في الأشياء كلّها ولكان لهم في ذلك من قرّة أعينهم ما يشغلهم عن رؤيتهم لأنفسهم ، فلا يكون لهم من الأشياء وحشة ولا يخشون منها فتنة ؛ لأنها فانية متلاشية بهذا الاعتبار . أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوّناته ، وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته . رؤية العبّاد لربّهم عزّ وجل على حسب تجلّيه لهم ، ففي هذه الدار يرونه ظاهرا في المكوّنات بأنوار بصائرهم لما تجلّى لهم من وراء حجابها ؛ ولذلك أمرهم بالنظر فيها . وفي الدار الآخرة يرونه معاينة بأنوار أبصارهم من غير حجاب ولا مانع ، وهذا غاية الظهور والكشف . علم منك أنك لا تصبر عنه فأشهدك ما برز منه . عدم الصبر عن اللّه تعالى من وجود الاحتظاء بمعرفته ، وهو حال شريف يقتضي دوام وجود المعيّة الاختصاصية ، والمعيّة الاختصاصية تقتضي دوام المشاهدة والحضور ، والمشاهدة الحقيقية غير متصورة في هذه الدار لما هي عليه من الدناءة والنقص والفناء والذهاب ، فأكرم اللّه تعالى عبده لعلمه بعدم صبره عنه بأن أشهده ما برز عنه من الآثار